المقريزي

270

رسائل المقريزي

سائر أنهار الأرض ، وتخرج من جهة الجنوب وتمر إلى الشمال ، ولهذا علل لا يحتمل هذا الموضع إيرادها فاستعار هذا الملغز لمرور مياه الأنهار نحو الغرب ، وذكره الليل لا يلزم منه الاختصاص دون النهار ، وهذه مسألة من مسائل أصول الفقه ، وهي : أن التنصيص على الشئ باسمه العلم لا يدلّ على الخصوص لقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « الماء من الماء » « 1 » ومعنى الحديث الغسل بالماء من إنزال المنى « 2 » ، ولا يلزم منه اقتصار الغسل على نزول المنى ، بل يلزم منه ومن الإيلاج ، وفي هذه المسألة خلاف قديم ولشرحها موضع معروف من كتب الفقه . وقوله : « ويسجد طول دهره لسهيل « 3 » » فهذا أعوص مما قبله لكن نبيّنه فنقول : سهيل أحد الكواكب الثابتة التي تعرف بالبيانية « 4 » ، وهو أبدا لا يرى إلا في ناحية الجنوب ، ومتى تركت عراق الغرب وراءك وسرت لا تراه ، ويصير بتلك الأقطار الشمالية أبدا الخفاء ، كما هو جهات الجنوب أبدى الظهور . وفي إقليمى مصر والشام يرى محاذيا للأفق أحيانا ، ويخفى أوقاتا ، والسحب إنما تنشأ من البخار دائما ، وهي مركبة من بخارين فتصير عند انتشائها تواجه سهيلا ؛ لأن ناحية الجنوب حيث مدار سهيل ليس فيها بخار « 5 » كما تقرر في موضعه من العلم الطبيعي ، ولا يعترض بما يشاهد من بلاد الشام وما وراءها من الشمال والمشرق

--> ( 1 ) رواه مسلم ك : الحيض ( 81 / 343 ) ، وأبو داود ك : الطهارة ( 217 ) ، وأحمد في مسنده ( 3 / 47 ) ، والنسائي ( 1 / 115 ) ، وابن خزيمة في صحيحه ( 233 ، 234 ) عن أبي سعيد الخدري . ( 2 ) قال البغوي : العمل عند أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم : أنّ من جامع امرأته فغيّب الحشفة ، وجب الغسل ، وإن لم ينزل ، وهو قول أبى بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلى ، وعائشة ، وغيرهم . وكان الحكم في ابتداء الإسلام أنّ من جامع فأكسل لا يجب عليه الغسل ، ويتوضأ كما يتوضأ للصلاة ، ويغسل ذكره ، ثم صار ذلك منسوخا بإيجاب الغسل ، وإن لم ينزل . فعن أبي بن كعب قال : كان الماء من الماء ، شيء في أول الإسلام ، ثم ترك ذلك بعد ، وأمروا بالغسل إذا مسّ الختان الختان . انظر : شرح السنة ( 1 / 320 ) للبغوي ، فتح الباري ( 1 / 471 - 473 ) ، معالم السنن للخطابي ( 1 / 147 ) . ( 3 ) سهيل : نجم عند طلوعه تنضج الفواكه وينقضى القيظ . القاموس ( 2 / 639 ) . ( 4 ) جاء في القاموس : الكواكب البيانيّات : هي التي لا تنزل الشمس بها ولا القمر . القاموس ( 1 / 352 ) . ( 5 ) هذا قصارى ما وصل إليه العلم في عصر المؤلف - رحمه الله ، أما العلم الحديث فإنه يثبت أن البخار يتصاعد من جميع الأماكن على سطح الكرة الأرضية بلا استثناء .